أبي طالب المكي
315
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
دعاكم وأنكم تأكلون طعامه ففي حرج ، أو قال : حرام على من لم يشهده في فعله أن يأكل . قال : فقاموا كلهم فخرجوا ولم يستحلوا الأكل ، إذ كانوا لا يرونه في الفعل إلَّا غلاما حدثا ، فإنه قعد إذ لم تثبت شهادته ولم ينفذ نظره العبارة والمعنى لقائله مثله أو نحوه : وإن دعاك أخوك وأنت صائم فعلمت أنه يسرّ بأكلك فلا بأس أن تفطر لأجله ، فإن لم تعلم ذلك منه وقال لك : أنا أسرّ بأكلك فصدقه وأحسن به الظنّ ، وإن لم تعلم ذلك منه ولم يلفظ به لساني فإني أكره خروجك من عقد الصوم لغير نية ، هي أبلغ منه أو مثله ، فصومك حينئذ أفضل . وإن أكلت مع أخيك تريد إكرامه بذلك فهذه نية صالحة . قد كان بعضهم إذا أكل يوم فطره أكل مع إخوانه ويحتسب في أكله ما يحتسب في صومه . وروينا عن ابن عباس أنه قال : من أفضل الحسنات إكرام الجلساء . ومن لم يرد أن يطعم قوما من طعام فلا يظهرهم عليه ولا يصفه لهم سواء كان هو قد أكله أو لم يأكله . وكان الثوري يقول : إذا أردت أن لا تطعم عيالك من شيء تأكله فلا تحدثهم به ولا يرونه معك . وينبغي أن يكون للمجيب إلى الدعوة نيّات سبع ، إذ الأعمال بالنيّات ولكل امرئ ما نوى ، إذ الإجابة من الأعمال . فمن نواها دنيا كانت له دنيا لعاجل حظه ، ومن أراد بها آخرة فهي له آخرة بحسب نيته ، وإن لم تحضر نية أو اعتلّ بفسادها توقف حتى يهيء الله عزّ وجلّ له نية صالحة تكون الإجابة عليها أو ترك الإجابة إذا كانت بغير نية ، لأنها من أفاضل الأعمال ، فتحتاج إلى أحسن النيّات لوجود العالم فيها فتكثر بها الحسنات ، ولفقد الهوى منها فيسلم فيها من السيئات وإلَّا كانت إجابته هزوا ، وكان عاملا في باب من أبواب الدنيا . وساعيا ف حظَّ نفسه وملء جوفه وقد قال الرسول عليه السلام : من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه ، فيصير مأزورا بفساد النية ، أو يكون غير مأجور لعدمها . فأول النيات طاعة الله تعالى وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله عليه السلام : من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . والثانية إقامة سنته لقوله عليه السلام : لو دعيت إلى كراع لأجبت وهو موضع على أميال من المدينة أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان لما بلغه وقصر عنده في سفره ، وقال في الخبر الآخر : لو دعيت إلى ذراع لأجبت ، فهذا ظاهر في الإجابة عن القليل ، والأول محتمل في الإجابة إلى الموضع البعيد . فقد نقل أنّ في التوراة أو في بعض الكتب سر ميلا عد مريضا ، سر ميلين شيّع جنازة ، سر ثلاثة أميال أجب دعوة ، سر أربعة أميال زر أخا في الله عزّ وجلّ . فبعد في إجابة الدعوة وفضّلها على العبادة وشهود الجنازة لأن فيها قضاء حق